في نظرية الحال: تعقيب على حديث للشيخ السّريري

 

في #نظرية_الحال الكلاميّة: تعقيب على حديث للشيخ السّريري

حبّرت، على عجلٍ، التعقيباتِ التّاليةَ بعدَ سماعِي تسجيلاً لفضيلة الشيخ مولود السّريري -رفع الله قدرَه- يقرّر فيه، جزئيّا، مفْهومَ الحال، تحديدًا الحال المعلّلة، وبعضَ أحكامِها عنْد المتكلّمينَ من الأشَاعرة والمعتَزلة، وقد وددتُ مناقشةَ بعض المواضع من كلامِه دون سبر غور مفاصل النظريّة لأنّ لهذا موضعًا آخر، على أنّي أرجو أن يُقدّم بين يديّ هذه القراءة للتعقيبات سماع تسجيل الشيخ وشرحِه أوّلاً (الإحالة على التّسجيل أدناه). وفيما يلي التعقيبات غير مذيّلة بنصُوص ومراجع:

1. إن كون الصّفات الوجودية علّةً، ولتكن العلمَ أو الحركةَ أو السّكون ... إلخ؛ معنَاه، عند مثبتي الأحوَال، اقتضاؤها أمرّا مَا معقُولاً، لا هو عَين ذلك المعنى الوجوديّ وإنّما هو غَيره مفهومًا لا وجودًا لأنّ أحد طرفيْ علاقة الاقتضاء غير موجود -ولا معدوم-، وذلك لضَرورة مغايرة المقتضِي المقتضَى، والأولى التعبير عنْ هذه العلاقة بـ الاقتضَاء؛ لأنّ عِلّية الصّفة الوجوديّة لا تعنِي، كما قرّر المتكلمون، التأثيرَ، أو المؤثريّة، ذلك أنّنا نعلمُ، سلفًا، بكونِ التّأثير عبارةً عن إيجادٍ أو إعْدامٍ على قول في المذهب الأشعريّ عِنْدنا، وعلى هذا فحملُ العليّة على ذا المعنَى خلافَ ما فرضَ؛ إذ الفرضُ المقدّم كونُ الحالِ، ذاتيّةً أو معلّلةً، لا موجودَة ولا معدومة؛ فكيف تكون، والحالة هذه، معرُوضةَ التّأثِير!؟، وعلى هذا فلا معنى لقولنا إن الصّفات الوجوديّة الموجبة أحوالاً "تحدِث الأحوالَ؛ لأن هذا اشتباه مورده اشتراك لفْظ العلّة (راجع في أثناء التسجيل الدقيقة 6:25 حيثُ اشتبه مفهوم العلة في الأحوال المعلّلة بمفهوم العلّة الفاعلة!)؛

2. جعلُ محلِّ علّةِ الحالِ المعلّلة؛ وهي الصّفة الوجوديّة كالحركة مَثلاً، نفسَ الحالِ المعلّلة، نحو كون المتحرك متحرّكًا؛ فيه غَرابة وبُعدٌ، فالصّفات الوجوديّة المقتضية لأحوالها، اتفاقًا، تختصّ بمحَالّـها الموجودةِ، أعنِي الذّوات الموصوفة بها؛ إلا أنْ يكون لمفهومِ اختصَاص الصّفة الوجوديّة بمحلّ ما مَعنى آخر، وهو، من ثمّة، غير مُرادِ المتكلمينَ من قولهم: قائم بـ ... أو قام بـ …“؛ إذ من أحكَام هَذا الاختِصاص كونُ طرفيْه موجودين؛ على أن اتصاف الوجوديّ بالاعتباريّ أو السلبيّ معقُولٌ مَقْبُولٌ حَاصِل، مادام الاعتبَاريّ والسّلبيّ غيرَ وجودييْن -كما تَقرّر-، أمّا اتصاف غير الموجود، فضْلا عن كونه غيرَ معدوم، بالوُجودّي واختصاصُه به فمُحَال -لما تقرّر في علم الكلام أيضا-؛ كيف وقد أحَال المتقدّمُون من الأشَاعرة، والحديثُ عنهم بنحوٍ ما، هذا النوعَ من الاختصاص بين وجوديين من جنس واحدٍ؛ فقالوا: إنّ قِيام عَرض بعَرضٍ أو صِفة وجوديّة بصفة وجوديّة محالٌ عقلاً، وأنت خبير بأنّ القَابل للاتصاف بالصفات الوجوديّة فيه حيثية القِيام بالنّفس، وهي التي تقتضي، عقلاً على القول بأنها ذاتيةٌ نفسيّة، تلك القابليةَ الواجبِة عقلاً! -وفي هذا إيماءٌ إلى أحد أشْهر أدلّة استِحالة قِيام العَرض بالعرَض عنْد الأشَاعِرة-؛ فلا وجه، عندئِذٍ، لقول فضيلة الشيخ: لأنّا إذا قلنا بأنّ العلة قامت بالذات فهذا مستحيل‘‘؛ لأن علّية العلّة ومعناها، هنا، غير ما قد يُوحي به اللفظ بُداءَة، وإن كان في المسألة بحثٌ آخر طويل، لكن هذا الاستنتاج غير مسلّم بعد ما مرّ بك بيانه؛

3. قال الشيخ:

الآن السؤال هل هذا الذي ذكره [=الحال] هنا حقيقيّ وجوديّ خارجيّ قائم بالذوات أم لا؟ هل هذا يدركه العقل في هذه المواضع أم لا؟ هذا الشيء موجود، أجمع الجميع على أنه موجود فعلا، إذا دخل العلم إلى الذات فإنه يقوم بها هذا الكون [هذه الأمور (=الأحوال)] مسلّم وجودها.

ما هنا مُشكلٌ للغاية! بل فيه غير قليل من الاضطراب؛ فبادئًا المسلّم به عند مثبتي الأحوَال من الأشعريّة رضي الله عنهم أو من متقدّمي البصريينَ من نظّار المعتزلَة، وعند غير مثبتيها؛ تصويرُ الحال، مَفهومًا، بما هي صفةٌ غير موجودة ولا معدومة، فضْلا عن كونها غيرَ معلومةٍ على حيالها -وقد يعبّر عنه بأنها لا تَرِدُ على حيالها-، فكيف يصحّ من ثمة جعلها مَعرُوضةَ الوُجود!؟ نعم يُقَال عن الحال، بقسميها، إنّها أمرٌ ثبوتيّ أو ثَابتٌ، على أنّ الثّبوت، هنا، غيرُ مفسّر بمعنَى يكافئ الوجودَ أو يساويه كما هو مذهب المتقدمين من الأشاعرة. ولئِن قلنا، تنزّلا، إنها قائمة بالذوات الموجودة القائِمة بذاتها فإنّ قيَامها هذا، أو اختصاصَها، ليس من قَبيل اختصَاص الوجوديّ بالوجوديّ؛ لأن مفهوم الحال المعلّلة لا يطابق مفهومَ الصّفة الوجودية، وإنما تَدخل هذه الحالُ على الصّفة الوجوديّة فتعطيها معنَى الاختصاص، وإن كان الاختصاصُ بالمحلّ الموجود معلولاً ومقتضى من قبل الصّفة الوجوديّة نفسِها؛ حتى عَبر المتكلمونَ عن هذه الحال المعلّلة بـ: كون الذات عالمة متحركةً ... إلخ أو بكون الذّات كذا... أي مختصّة بالعلم الوجوديّ والحركةِ الوجودية ... إلخ، ونحنُ نعلم أنّ المتكلّمين من الأشَاعرة استدلّوا بهذا الاختِصَاص، الذي هو الحكم والحال المعلّلة هنَا، على إثبات وجوديةِ مقتضِي ذلك الحكم، من قبيل الاستدلال بالمعلول على العلّة.

على أن هاهنا تدقيقًا يتحتّم الالتفاتُ إليه، مفادُه أنّ الحالَ المعلّلة بالنّسْبة لعلّتِها -أي الصّفة الوجودية- ومحل علّتها، الذي هو الذات القائمة بنفسها؛ عبارةٌ عن معقوليّة كونِ الذّات الموجودة مختصةً بالصّفة الوجوديّة، ومثبتو الأحوال يقولون إن تلك المعقوليّة التي نتصوّرها من نسبة الصفة الوجوديّة إلى موجودٍ قائِم بنفسِه -هو ذاتٌ- أمرٌ ثابِتٌ في نفسِه مُغَاير لطرفيْ تلك النّسْبة، بل إن له علّةً هي تلك الصّفة الوجودية؛ بل إن له مرتبةً في الثبوت كما للوجود مرتبة في الثبوت، كما أن لها تقرّرًا في نفسِها لكنه لا يستلزمُ وجوديتَه، وأنْت خبيرٌ بأنّ معقوليّة أمرٍ ما أعمّ من كونه ذَا وُجُود خارجيّ أو كونِه وجوديّا؛ فالحال، بحسب أدلتها، معقولةٌ ثابتة متقرّرة لكنها غير موجودة ولا معدومة، وبسبب هذا فسّر تلك العلاقةَ بين الذّات وصفاتَها من نفَى الأحوالَ بأنّها مغايرةٌ اعتباريّة ليست ذات وجودٍ ولا ثبوتٍ، وقد يُعبّر عنها لفظًا فقط؛

4. إنّ للإمام القاضي أبي بكر الباقلاني (ت. 403هـ) قولَين في إثبات الأحوال ونفيها؛ آخرهما إثباتها -وفق ما يفِيده تتبعُ مواردِ الأشاعرة ومصادرهم-، كما أنّ له تعديلاتٍ غيرَ التي ذكرها فضيلة الشيخ؛ إحداها، ولعلّها الأهمّ، تثنِية أقسْامِها إلى حالٍ ذاتية/نفسِية وحالٍ مُعلّلة، وجامعهما كونُهما صفتين غيرَ موجودتين ولا مَعدومتين، على أن هذين القسْمين كَانا مَبثوثين في تضَاعيف مؤلفاتِ المعتزلة بالإضافة إلى أقسام أخرى تحيل أقسَام الحالِ إلى أكثر من قسْمين، ولا يسلّم، من ثمة، القول بأن المتأخرين طوّروا النظريةَ ووسّعوها حينَ قالوا إنّ الأحوال كلّ وصف يميّز أو كلّ ما به الاشتراك وبه الافتراق فهو حال هكذا!؛ لأن هذا التعريف، حَصْرا وكما هو معلومٌ، إنّما يصدق على الحال الذاتية/النفسية دون المعلّلة؛ لعلاقة الأوصاف الذّاتية والنّفسِية بمسْألة الاشتراك والافتراق والتمييز بين الماهِيات والحقَائق، وقد عُرف هذا التّقسيم والتعريفُ عند من فتق الأحوالَ من المعتزلة أوّل مرة!، كما عرفه الباقلانيّ وعرّف به الأحوال النفسية/الذّاتية، وما مسّها تطورٌ من هذه الحيثيّة، وإنما مسّها من جِهة عَلاقة هذه الحيثية بإشْكالات دَخلت المتكلمينَ من الفَلسَفة والمنطِق.

التسجيل هنا:


وليعذرني الشيخُ الفاضل على تعقيبي؛

والله الموفّق للصّواب ..

محمّد الراضي ..

Erradimoham@gmail.com


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في مبدإ منع التّناقض عند فخر الدّين الرازي

تحليل صوريّ لـ علاقة اللزوم – عودة إلى نظرية بعض المناطقة العرب