#أوراق_أشعرية 6: «وحدانية الله» وفئة «الصفات النفسية» - مضَامين وأسس مقالة أشعرية I:

 

#أوراق_أشعرية 6: «وحدانية الله» وفئة «الصفات النفسية» - مضَامين وأسس مقالة أشعرية I:

إن وحدانية الله، عند متقدّمي الأشاعرة وبعضِ المتأخرين منهم، تحيلُ على الله بما هو ذات قائم بنفسِه ذو حقيقة بسيطةٍ مغايرة لباقي الموجودات دونَ أنْ يكونَ ذلك مفهومًا سلبيًّا نفْيِيًّا —وإن كانت العبارة تطوي سلبًا نوعًا ما!—، وهوَ ما استدعَى جعلها ضمن فئةِ الصّفات النفسية أو الذاتية، ومن ثمة صار إثباتها يحيلنا مبَاشرة على تلك الصّفات الدالة على حقيقةٍ ما، ولو من جهةٍ جزئية، من حيثُ الثبوت لا النفي، مادام النفي موردًا لـ التوافق بين حقائق الأشياء خلافًا للأمور الثبوتية.

لقد ترسّخَ في التّقليد الأشعريّ المتأخر مع المتكلم المغرِبي أبي عبد الله السنوسيّ (ت. 895 هـ/1490م) صاحبِ التقريبَات العقديّة المشهورةِ؛ تقسيمٌ ثلاثِيّ أو رباعيّ للصفاتِ الإلهيّة، وهو التقسِيم الذي لا يخصّ واجبَ الوجودِ وفق مصادرنا الكلامية، ذلك أنّ الأشاعرة يُشدّدون على كونِ هذه الفئاتِ من الصّفاتِ، دون ما يندرجُ تحتها بالنسبة إلى الله، عامّةً لصنفي الوجود الواجب والممكن؛ وعليه فثمّة أربعُ فئاتٍ من الصّفاتِ تعمّ الموجودَاتِ:

1.    الصفَات النفسيّة الثبوتية المحيلة على ذات الشيء ونفسِه، والتي بها يقعُ التخالفُ والتماثل بين حقائق أصنافِ الموجودات؛

2.    والصّفات السّلبية، المنبئة عن النفي والسلب؛

3.    وصفات المعانِي الوجودية التي تحمل على جنس الموجودات الممكنة من الجواهر والأجسام حمل الأعراض الوجوديّة على الذوات الممكنة الوجود؛

4.    ثم أخيرًا الصفات المعنوية التِي تعود وفق ما يرى بعض الأشاعرة إلى مجردِ معقولية اختصاص ذاتٍ ما بصفةٍ وجودية ليس إلا؛ فيكونُ حينئِذٍ التقسيمُ ثلاثِيًّا (شرح الإرشاد لـ المقترح، 2017، ص. ج. 1: 276).

( توضيح: يقال —مثلا—: زيد يمشِي = إن التحليل الكلامي لهذه العبارة أنطلوجيا يعطي ما يلي: 1) زيد صفته النفسية الإنسانية، 2) وصفته السلبية هي كونُه ليسَ أسدًا أو عرضًا مثلا، 3) وقد قامت بذاتِه صفة وجودية مغايرة له هي حركته، 4) ثم كونه متحركًا إما حُكم موجب عن الصفة الوجودية (=الحركة) أو معقوليةُ قيامها به ولا ثبوت لها خارج التجريد العقلي. راجع التقسيم: أم البراهين، 2009، ص. 27. شرح السنوسية الكبرى، 2013، ص. 171-172، 173).

إنّ التقليد الأشعريّ المتقدّم نسبِيًّا بالنسبة للسنوسيّ قد آثار تقسيمًا ثنائيًا لفئاتِ الصفاتِ يغايرُ ما استقرّ في التعاليمِ الكلامية الأشعرية بعد القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، دون أنْ يتضمّن ذلك إلغاءً لصفَات النفيّ أو السّلب؛ إذ نقرأ، مثلاً، عنْد إمام الحرمين أبي المعالي الجوينِي (ت. 478 هـ/1085م) في مفتَتحِ «القولِ فيمَا يجب لله تعالى من الصّفاتِ» قولَه: «اعلم أنّ صفاتِه تعالى منها نفسية، ومِنها مَعنويّة» (الإرشاد، 2016، ص. 85. انظر: 110) وفي هذا إشارةٍ إلى المعانِي الوجودية وأحكامِها من الأحوال. ولا نرى في بعض الملخصات الأشعرية الرفيعة، والمتقدمة، تفريقا دقيقًا، من حيثُ المضمونُ والمعنى، بين فئتَي الصّفاتِ: النفسية، والسلبية؛ يقول المتكلم اللّغويّ المغربيّ ابن خمير السّبتي (ت. 614 هـ/1217م) وهو يلخّص أعمالاً رائدة في الفِكر الأشعريّ: «أمّا [الصّفاتُ] النفسيّة فقد بيّنا منها بعضَ ما يصح به التنزيه للبارئ -تعالى- عن مشابهةِ خلقِه» (المقدمات، 2011، ص. 184).

لاحظْ أنّ هذا القول من ابن خمير السبتِي لا يعدو أنْ يكونَ تداخلاً مضطربًا وساذجًا، من الناحية المنطِقيَّة بين الفئتينِ؛ إذ يمكن أن يُتساءل حولَ إمكانِ القول بأنّ الصّفات النفسية تدلّ على حال للذاتِ، كما يرى أشاعرة، أو نفس الذاتِ كما هو مقتضى قولٍ آخر في المذهَب، أو أنها تدلّ على نفي أمر عن الذات؟ وقدْ يُقال، لربّما، إنّها تدلّ عليهما معًا؛ أحدهما بالتطابق والآخر باللزوم. هذا الاعتراضُ ستنتبه له بعضُ الأعمال الأشعرية النقدية فيما بعْد، وستحيل عليْه في إطارِ تطوير المذهبِ ومحاولة تجاوز بعضِ الصعوباتِ النسقيّة فيه، والحقّ أنّ عبارةَ السبتي هذه، ووفقَ تلك الأعمال النقدية، تطوِي بين ثناياها قلقًا منطقيًّا موروثًا عن بعض المتقدمين كالجوينيّ، والقاضي أبي بكر الطيب الباقلاني (ت. 403 هـ/1013م)، وهو قلق لم أجد له جوابًا في متن السّبتي العقدِي رغم أنّ الأشعريّة المشرقية في زمانِه، أعني القرنَين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر الميلادي، قد بدأتْ تخرج عن أنماط مألوفة لم يطالعها بعدُ ابن خمير.

يتبع ...

والله ولي التوفيق

كتبه محمّد الراضي، طالب باحث.

الدار البيضاء.

Erradimoham@gmail.com

Mohamerradi@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في نظرية الجوهر عند المتكلمينَ – عن ابن رشد ومحدثي الدارسين

مراجعة فقرة من كتاب التسديد في شرح التمهيد

في الاشتراك المعنوي لـ الوجود عنْد المعتزلة - ملاحظات